بعد نحو خمسة عقود على انتشارها في أقصى جنوب لبنان، تدخل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، المعروفة باسم اليونيفيل، عدّها التنازلي. فولايتها تنتهي مع نهاية هذا العام من دون تمديد، في لحظة يتقدّم فيها مسار تفاوضي مباشر بين بيروت وتل أبيب برعاية أميركية. والسؤال الذي يقلق سكان الشريط الحدودي بسيط في صياغته، معقّد في إجابته: من يراقب الجنوب بعد رحيل الخوذ الزرق؟
الجواب المرجّح، بحسب ما ينقله دبلوماسيون ومحللون، هو أن أي ترتيب بديل سيكون أصغر حجماً وأضعف صلاحية، ومرهوناً باتفاق إقليمي أوسع لا يزال قيد التفاوض. أي أن الجنوب مقبل على مرحلة رقابة رمادية، لا هي استمرار للوضع القائم، ولا هي فراغ كامل.
ولاية تنتهي بلا تمديد
لم يأتِ قرار عدم تمديد ولاية اليونيفيل من فراغ. فبحسب محللين تحدّثوا إلى قناة الجزيرة، جاء القرار بعد أن تبنّت واشنطن الموقف الإسرائيلي الرافض لاستمرار المهمة، بما يتيح للجيش الإسرائيلي العمل داخل الأراضي اللبنانية من دون جهة أممية تراقب انتهاكاته وتوثّقها.
انتشرت اليونيفيل للمرة الأولى عام 1978، في ذروة الحرب الأهلية اللبنانية، ثم توسّعت ولايتها لاحقاً بموجب القرار 1701. وبلغ عديدها في ذروته نحو خمسة عشر ألف عنصر، قبل أن يتراجع إلى قرابة سبعة آلاف في حزيران الماضي. طوال هذه العقود، اتُّهمت القوة من كل الأطراف بالعجز عن فرض القرار الأممي، لكنها ظلّت، بحسب الباحثين، الشاهد الميداني القادر على تهدئة الاحتكاكات قبل انفجارها.
قرار 1701 الذي لم يُطبَّق يوماً بالكامل
في قلب المشهد يقف القرار 1701، الذي أقرّه مجلس الأمن قبل عشرين عاماً في أعقاب حرب 2006. ينصّ القرار على انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما خلف الخط الأزرق، وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب، ونزع سلاح حزب الله جنوب نهر الليطاني. لكنه بقي، على مدى عقدين، نصّاً أكثر منه واقعاً.
يلفت الباحثون إلى نقطة جوهرية غالباً ما تُغفَل: اليونيفيل لم تُنشأ أصلاً بصلاحية فرض القرار 1701 بالقوة على أي من الطرفين. فمهمتها، كما يقول أستاذ العلوم السياسية عماد سلامي للجزيرة، ظلّت محصورة في المراقبة والإبلاغ والتنسيق ومساندة الجيش اللبناني. "إن توقُّع أن تنزع اليونيفيل سلاح حزب الله بالقوة أو أن تُجبر إسرائيل على الانسحاب يتجاوز الصلاحيات التي مُنحت لها فعلاً"، يقول سلامي. والتطبيق الحقيقي للقرار، اليوم، صار موضوع تفاوض مباشر بين لبنان وإسرائيل لا شأن للقبعات الزرق به.
"المناطق التجريبية": اليونيفيل خارج اللعبة
المسار البديل الذي يتبلور على الأرض هو ما يُعرف بـ"الاتفاق الإطاري" الموقَّع في السادس والعشرين من حزيران. يقوم على فكرة "مناطق تجريبية": ينسحب الجيش الإسرائيلي من نطاق محدّد، فيدخله الجيش اللبناني ويتولّى فيه ضبط سلاح حزب الله. اللافت أن اليونيفيل لا دور لها في هذه المناطق، بل خرجت أيضاً من آلية مراقبة وقف النار، خلافاً للترتيب السابق الذي كانت تشغل فيه مقعداً.
يرى ديفيد وود، المحلل البارز للشأن اللبناني في مجموعة الأزمات الدولية، أن الولايات المتحدة وإسرائيل "همّشتا اليونيفيل بوضوح" ضمن الترتيب الأخير، انطلاقاً من تشكيك مشترك في قدرة القوة على إبعاد حزب الله عن الجنوب. لكنه يحذّر من ثمن هذا الإبعاد: ففي الماضي، ساعدت اليونيفيل على نزع فتيل مواجهات ميدانية بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، كما حصل خلال إطلاق النار في بلدة زوطر الغربية أثناء تطبيق إحدى المناطق التجريبية مطلع آب. غياب هذا الوسيط، بحسب وود، قد يترك خطوط التماس بلا صمّام أمان.
من يملأ الفراغ؟
مع اقتراب طيّ صفحة اليونيفيل، بدأت أطراف عدة تلوّح باستعدادها للمساهمة في أي قوة مقبلة. وأبلغ دبلوماسيان أوروبيان قناة الجزيرة أن بلديهما يبحثان إرسال عناصر إلى المهمة التي ستخلف اليونيفيل. أحد الطروحات المتداولة أن تحلّ هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة، المعروفة اختصاراً بـUNTSO، محلّها، لكنها قوة أصغر بكثير من حيث العديد والعتاد.
الأرقام وحدها تكشف حجم الانكماش المرتقب. ففي حزيران، طرح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش على مجلس الأمن ثلاثة خيارات تتراوح أعدادها بين تسعمئة وثلاثة آلاف عنصر، أي أقل بكثير من عديد اليونيفيل الحالي. رقابة أخفّ، على جبهة لا تزال ساخنة.
ما الذي ينتظر الجنوب
يتقاطع كل هذا مع مسار تفاوضي متعثّر. فالجولات المباشرة التي استضافتها روما لم تُفضِ بعد إلى خرق حاسم، إذ يطالب لبنان بانسحابات إسرائيلية إضافية، فيما تصرّ تل أبيب على أن التحقّق من نزع سلاح حزب الله يجب أن يكتمل أولاً. وبين هذا وذاك، يبقى سكان القرى الحدودية أمام معادلة مفتوحة: قوة دولية تنسحب، واتفاق ميداني لم يرسُ بعد، وجيش وطني يُطلب منه أن يملأ فراغاً كبيراً بموارد محدودة.
المفارقة أن اليونيفيل، التي طالما انتُقدت لعجزها، قد يُكتشَف دورها الحقيقي في لحظة غيابها. فالمراقبة، حتى حين تعجز عن الردع، تبقى شبكة أمان. والجنوب، الذي دفع أثماناً باهظة طوال عقود، مقبل على اختبار جديد: هل يمكن بناء استقرار من دون شاهد محايد يوثّق الخروق ويهدّئ التوتر قبل أن يتحوّل إلى شرارة؟





