نسبة الانكماش التي تصدّرت العناوين خلال الأيام الماضية، ناقص 6.4 في المائة، ليست سوى سقف الأزمة. أما أرضها، حيث يُقاس العوز بالرغيف لا بالناتج المحلي، فتظهر في رقمٍ آخر أشدّ قسوة: نحو 1.24 مليون شخص في لبنان باتوا يواجهون مستويات أزمة أو طوارئ من انعدام الأمن الغذائي خلال عام 2026، مقابل 874 ألفاً في العام السابق. ذلك ما يكشفه تقريرٌ محدّث للبنك الدولي حول آفاق الفقر في لبنان، نقلت أبرز معطياته صحيفة الشرق الأوسط. والأهمّ أن لهذا الجوع جغرافيا، تتصدّرها منطقتا الجنوب والنبطية، أي المناطق نفسها التي تحمّلت الوزر الأكبر من الحرب.
رقمٌ يقفز في عامٍ واحد
القفزة من 874 ألفاً إلى 1.24 مليون شخص في سنة واحدة ليست تفصيلاً إحصائياً، بل مؤشّر على انزلاقٍ سريع نحو القاع. يرافق ذلك ارتفاع التضخّم الغذائي إلى متوسط 20 في المائة خلال العام الحالي، أي بمعدل نحو 2 في المائة شهرياً، بحسب المعطيات التي أوردها البنك الدولي. بكلامٍ أوضح: كل شهرٍ يمرّ يقضم من قدرة الأسرة على ملء صحنها، ويدفع آلافاً إضافيين تحت خطّ الأمان الغذائي.
ولا تكمن خطورة الأرقام في حجمها اللحظي فحسب، بل في اتجاهها. فالمنحنى صاعد، والعوامل التي تغذّيه، من غلاء وبطالة وانهيار دخل، لا تزال فاعلة ومن دون كوابح.
للجوع جغرافيا: الجنوب والنبطية في الصدارة
حين يشير البنك الدولي إلى أن منطقتَي الجنوب والنبطية تتصدّران المناطق الأكثر تضرراً، فهو يضع الإصبع على جرحٍ معروف: المناطق التي دفعت فاتورة الدم في مواجهة العدوان الإسرائيلي هي نفسها التي تدفع اليوم فاتورة الجوع. فالأسر التي نزحت خسرت مصادر رزقها وأصولها المنتجة، من أرضٍ ومواشٍ ومحالّ، وبات كثيرٌ منها يتّكل على شبكات دعمٍ غير رسمية وموارد مالية متآكلة، وفق ما يرصده التقرير نفسه.
هنا يتقاطع البُعدان العسكري والمعيشي في نقطة واحدة: الأرض التي تُقصف لا تُزرع، والعائلة التي تُهجَّر لا تُنتج. ومن قرى الجنوب التي اعتاشت أجيالها من الزيتون والتبغ والأرض، يصعد اليوم وجهٌ آخر للحرب، أبطأ من الغارة وأشدّ تمدّداً: الجوع الصامت.
حزام الفقر يتّسع
لا تتوقّف الصورة عند انعدام الأمن الغذائي. فبحسب المعطيات التي نقلتها الشرق الأوسط عن البنك الدولي ومصادر نقابية، اتّسع حزام الفقر الشديد ليشمل أكثر من ربع المقيمين، أي نحو 250 ألف أسرة على أساس أسرةٍ من خمسة أفراد. أما مؤشر العجز المعيشي الأوسع، فتشير أرقامٌ ميدانية إلى امتداده نحو 80 في المائة من المقيمين، في بلدٍ قارب فيه مؤشر الغلاء التراكمي تسعة آلاف نقطة مئوية، تحقّق معظمها بعد انفجار الأزمة المالية عام 2020.
رُبع المقيمين في فقرٍ شديد، وأربعة أخماسهم في عجزٍ معيشي: هذه ليست أرقام أزمةٍ عابرة، بل ملامح مجتمعٍ يتآكل من قاعدته.
الجوع ابن الحرب
الجوع في لبنان ليس قدَراً طبيعياً، بل حصيلة مسار. فالبنك الدولي يربط تدهور أوضاع الأسر مباشرةً بتصاعد الأعمال العدائية في ربيع هذا العام. وتتضافر الحرب مع الانهيار المالي: فجوة خسائرٍ مالية تتعدّى تقديراتها 70 مليار دولار، وخسائر حربية اقتصادية وإعمارية تجاوزت 27 مليار دولار بحسب التقديرات الرسمية، إضافةً إلى الانكماش المتوقّع بنسبة 6.4 في المائة لهذا العام.
وحتى الكهرباء دخلت في معادلة الجوع: فخفض مؤسسة كهرباء لبنان لطاقة معاملها أجبر الأسر على تحمّل زياداتٍ كبيرة في اشتراكات المولدات الخاصة، ما قضم ما تبقّى من قدرتها الشرائية. هكذا تتراكم الأعباء بعضها فوق بعض، فيصبح الرغيف نفسه رهينة فاتورة المولّد.
تمويلٌ غائب
في موازاة اتّساع العوز، يتراجع الإسناد الدولي. فالمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين كانت قد قدّرت حاجة لبنان إلى 1.62 مليار دولار لتمويل خطة الاستجابة لعام 2026، لكنّها لم تتلقَّ حتى مطلع تشرين الأول سوى نحو 622 مليون دولار، أي ما يقارب 38 في المائة فقط من المبلغ المطلوب، بحسب تقريرٍ صادر عنها في الخامس من الشهر الجاري. والنتيجة، وفق المفوضية، حرمان نحو 1.5 مليون شخص من مساعداتٍ إنسانية ملحّة في ذروة حاجتهم إليها.
بذلك يجد المحتاجون أنفسهم بين فكّي كمّاشة: دولةٌ عاجزة مالياً، ومجتمعٌ دولي يتردّد في الدفع. وفي المنتصف تقف الأسر الأكثر هشاشة، وأكثرها في الجنوب.
خلاصة
ما تكشفه أرقام البنك الدولي ليس مجرّد تدهورٍ في مؤشرات، بل اختبارٌ لقدرة الدولة على حماية حدّها الأدنى من الناس. فالمصادر النقابية تحذّر من أن استمرار هذا المنحى قد يقود إلى موجة احتجاجات شعبية تتجاوز إضرابات موظفي القطاع العام. والأهمّ أن الرقم ليس موزّعاً بالتساوي: ثمة مناطق تحمّلت القصف أولاً، وتتحمّل الجوع اليوم. قراءة الأزمة من بيروت وحدها تُخفي نصفها؛ أما قراءتها من الجنوب، فتكشف أن فاتورة الحرب لا تُقاس بالناتج المحلي فقط، بل بعدد الصحون الفارغة.




