توقّف لبنان عن تنفيذ أحكام الإعدام منذ الفجر البارد للسابع عشر من كانون الثاني/يناير 2004، لكنه ظلّ طوال اثنين وعشرين عاماً بلداً تُبقي قوانينه على حبل المشنقة، وتواصل محاكمه إصدار الأحكام به. يوم الثلاثاء 11 آب/أغسطس 2026، حسم مجلس النواب هذه الازدواجية: أقرّ بالأكثرية اقتراح قانون يُلغي عقوبة الإعدام من التشريعات اللبنانية. لكنّ اللحظة التاريخية لم تُغلق النقاش، بل نقلته من مبدأ الإلغاء إلى تفاصيل البديل، حيث تكمن المعركة الأصعب.

من وقفٍ فعلي إلى إلغاء تشريعي

أقرّ المجلس الاقتراح بعد إدخال تعديلات عليه، من دون إعلان حصيلة رقمية مفصّلة للتصويت، وفق ما نقلته الوكالة الوطنية للإعلام. وبذلك ينتقل لبنان من حالة "وقف التنفيذ" التي استمرت منذ إعدام أحمد علي منصور شنقاً، وبديع حمادة وريمي زعتر رمياً بالرصاص مطلع 2004، إلى الإلغاء القانوني الكامل بعد استكمال إجراءات إصدار القانون ونشره.

وصفت وزارة العدل الخطوة بأنها "تتويج لمسار عدالة حازمة تحمي حقوق الإنسان". وكتب وزير العدل عادل نصار عبر منصة إكس أن لبنان "يستعيد دوره الرائد في حماية الحقوق الأساسية"، لافتاً إلى بُعد عملي غالباً ما يُغفَل: إلغاء الإعدام "يزيل عائقاً قانونياً" أمام استرداد مطلوبين وفارّين من العدالة تمتنع دول عن تسليمهم إلى بلد لا تزال العقوبة قائمة في منظومته.

ووفق تصنيفات منظمات حقوقية، يصبح لبنان أول دولة في الشرق الأوسط وثاني دولة عربية تُلغي عقوبة الإعدام، بعد جيبوتي التي ألغتها عام 1995.

ما العقوبة التي تحلّ محلّ الإعدام؟

هنا يبدأ الجدل الحقيقي. الصيغة التي أعدّتها اللجان النيابية المشتركة كانت تقضي بإلغاء الإعدام "أينما ورد النص عليه في القوانين اللبنانية"، واستبداله بالأشغال الشاقة المؤبدة المشددة. غير أن النواب أقرّوا خلال الجلسة تعديلاً اقترحه النائب عبد الرحمن البزري يميّز بين زمنين: الجرائم المرتكبة قبل نفاذ القانون تُستبدل أحكامها بالأشغال الشاقة المؤبدة، أما الجرائم اللاحقة فتُفرض عليها عقوبة "الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة".

وصف "المشددة" هو ما أشعل الاعتراض. قال النائب نبيل بدر إن هذه العقوبة غير منصوص عليها أصلاً في قانون العقوبات، وإن البرلمان بذلك "يخترع عقوبة جديدة". في المقابل، دافع النائب ملحم خلف عن المنطق نفسه: إلغاء الإعدام يستوجب عقوبة بديلة رادعة للجرائم الأشد خطورة.

أشغال شاقة على الورق

لم يقتصر التحفّظ على السياسيين. اعتبرت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أن عقوبة "الأشغال الشاقة" تستند إلى مفاهيم لم تعد تنسجم مع المعايير الحديثة لحقوق الإنسان، ودعت إلى استبدالها بعقوبات سالبة للحرية تراعي المحاسبة وإعادة التأهيل وكرامة السجين.

وتشير منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن الأشغال الشاقة، رغم ورودها في الأحكام القضائية اللبنانية، نادراً ما تُنفَّذ فعلياً بسبب ضعف الإمكانات وغياب البنية اللازمة داخل السجون. بذلك يبقى تحديد المقصود بـ"الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة" وآلية تطبيقها معلّقاً على تفسير تشريعي أو قضائي لاحق.

85 محكوماً في انتظار الصيغة النهائية

البُعد الأكثر إلحاحاً يتعلّق بمن ينتظرون في السجون. فوفق أحدث بيانات مديرية السجون في وزارة العدل، التي أوردتها الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، كان 85 شخصاً محكومين بالإعدام في لبنان حتى نهاية عام 2025، بعدما واصلت المحاكم، ولا سيما المحكمة العسكرية، إصدار أحكام بالإعدام خلال سنوات وقف التنفيذ.

لكن الأثر الدقيق للتعديلات على هؤلاء يبقى رهن النص النهائي. فحتى إعداد التقارير الأولى عن الجلسة، لم يكن النص المعدّل قد نُشر رسمياً، ما يعني أن مصير المحكومين الحاليين مرتبط بالصيغة التي ستُصدَر وتُنشَر في الجريدة الرسمية.

اعتراض حزب الله وترحيب دولي

سياسياً، اعترض نواب كتلة "الوفاء للمقاومة" التابعة لحزب الله على القانون، من دون أن تُصدر الكتلة بياناً يوضّح أسباب موقفها حتى صدور التقارير الأولى. في المقابل، جاء الترحيب من الخارج سريعاً: أشاد المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك بالقرار، معتبراً لبنان أول دولة في المنطقة تُقدم على هذه الخطوة.

مسار بدأ قبل ثلاثة عقود

لم يولد القرار من فراغ. تعود الحملات المنظمة لإلغاء عقوبة الإعدام في لبنان إلى عام 1997، حين أطلق الناشط اللاعنفي وليد صليبي والباحثة أوغاريت يونان الحملة الوطنية لإلغاء العقوبة. جاء ذلك في مناخ كان قد اتجه بعد الحرب الأهلية إلى التشدد، إذ أقرّ البرلمان عام 1994 القانون رقم 302 الذي حدّ من قدرة القضاة على منح أسباب تخفيفية في بعض جرائم القتل، قبل أن يُلغى هذا التشدد عام 2001.

وتوالت بعد آخر تنفيذ عام 2004 محاولات الإلغاء التشريعي: اقتراحات في 2004 و2012، ومشروع أعدّته وزارة العدل عام 2014، لكن أياً منها لم يصل إلى التصويت النهائي. اليوم وصل، وبقي على لبنان أن يترجم المبدأ إلى نص قابل للتطبيق، وأن يجيب عن السؤال الذي خلّفه التصويت: ما هي، بالضبط، العقوبة التي حلّت محلّ حبل المشنقة؟