لم تعد مرتفعات "علي الطاهر" شرق مدينة النبطية مجرد نقطة على خريطة جبل عاملة. في الأيام الأخيرة، تحوّل هذا الشريط من التلال إلى العقدة التي تُختصر فيها معادلة الجنوب برمّتها: إسرائيل تريده منزوعاً من حزب الله ومُسلّماً إلى الجيش اللبناني، والحزب يرفض الإخلاء تحت الضغط، وبيروت عالقة بين خيار عسكري لا تملك أدواته وتهدئة لم تنضج شروطها بعد. وليل الجمعة إلى السبت، ترجم الميدان هذا التوتر تصعيداً دامياً.

ليلة تصعيد في الجنوب

فجر السبت الخامس عشر من آب، شهد جنوب لبنان تصعيداً إسرائيلياً حاداً، تخلّله تحليق مكثف للطيران المروحي وعمليات تمشيط واسعة. وأفادت تقارير إعلامية بسقوط ضحايا في بلدة أنصار القريبة من المرتفعات، وتحدثت المصادر نفسها عن اندلاع اشتباكات بين مقاتلي حزب الله والجيش الإسرائيلي في محيط تلال علي الطاهر. المشهد الميداني، بحسب هذه الروايات، يوحي بأن المواجهة انتقلت من القصف عن بُعد إلى احتكاك مباشر على الأرض، وهو تطور لافت في منطقة ظلّت خطوط التماس فيها ثابتة نسبياً منذ أشهر.

لماذا علي الطاهر تحديداً؟

الجواب لا يكمن فوق الأرض بل تحتها. فبحسب ما نقلته صحيفة "نداء الوطن" في قراءة للكاتب ألان سركيس، لم تعد المعركة في الجنوب معركة تلال ظاهرة، بل صراعاً على ما تبقى من بنية عسكرية وأمنية تحت الأرض مرتبطة بحزب الله والحرس الثوري الإيراني. المرتفعات تشرف على محاور النبطية، وتحتضن، وفق الرواية الإسرائيلية، شبكة أنفاق تعتبرها تل أبيب هدفاً أساسياً.

وفي هذا السياق، نقل موقع "واللا" العبري عن مصادر أمنية إسرائيلية أن عناصر من حزب الله قضوا في أنفاق علي الطاهر خلال العمليات الأخيرة. وهي رواية إسرائيلية لم تؤكدها مصادر لبنانية مستقلة، وتُنشر هنا على مسؤولية مصدرها، إذ يفرض الملف الأمني الحذر في التعامل مع الأرقام والادعاءات.

شرط إسرائيلي على طاولة التفاوض

ما يمنح المعركة بعدها السياسي أن علي الطاهر لم يعد ملفاً ميدانياً فحسب، بل بند تفاوض. فبحسب معطيات متداولة في الاتصالات الدبلوماسية أوردها موقع "ليبانون ديبايت"، وضعت تل أبيب انسحاب حزب الله من المرتفعات وتسليمها إلى الجيش اللبناني في صلب شروطها للانتقال إلى مرحلة جديدة من التهدئة.

ويأتي ذلك امتداداً لموقف أوضحه وزير الدفاع الإسرائيلي، الذي ربط الأربعاء انسحاب بلاده من جنوب لبنان بنزع سلاح حزب الله، بحسب وكالة رويترز. بهذا المعنى، تتحول التلال إلى ورقة ضغط: من يمسك بها يفرض إيقاع المرحلة المقبلة.

بيروت بين نارين

الموقف الرسمي اللبناني يتحرك على حبل مشدود. فبحسب مصدر تحدثت عنه تقارير محلية، لا تحبّذ بيروت نشر الجيش حول التلال تفادياً لوقوعه بين نارين، ما لم يكن ذلك مقروناً بوقف نار واضح. في المقابل، تصرّ إسرائيل على السيطرة العسكرية على المرتفعات في حال عدم موافقة الحزب على إخلائها.

أما المسار الدبلوماسي فيراوح مكانه. المفاوضات في روما مؤجلة من دون موعد جديد معلن، فيما تتحرك مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان لتأطير لجنة تدقيق تُعنى بالملفات الأمنية المثارة. باختصار، السياسة لم تنتج بعد مخرجاً يوقف تدحرج الميدان.

ماذا بعد؟

تتجاوز معركة علي الطاهر بعدها العسكري لتصبح جزءاً من صراع على شروط المرحلة المقبلة في جنوب لبنان، كما لخّصتها قراءات إعلامية عربية. السيناريوهات المطروحة تتراوح بين إخلاء بالتراضي يحفظ ماء الوجه للطرفين، وتصعيد أوسع إذا انسدّت المسارات. حتى الآن، تشير المؤشرات إلى بقاء بيروت والضاحية الجنوبية خارج دائرة الاستهداف المباشر، ما يوحي بأن المعركة لا تزال محصورة في جغرافيا التلال.

لكن الثابت أن اسم بلدة صغيرة شرق النبطية بات عنواناً لمعادلة أكبر: مستقبل السلاح، وحدود الدولة، وشكل التهدئة. وكل رصاصة تُطلق هناك تُقرأ في بيروت وتل أبيب وواشنطن معاً.