لم يعد الذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية شعاراً في المؤتمرات. تحوّل في العامين الأخيرين إلى سباق على البنية التحتية ورؤوس الأموال والكفاءات، تتصدّره دول الخليج بثقلها المالي. وفي هذا السباق، يطرح لبنان سؤالاً وجودياً: هل يملك ما يقدّمه حين يعجز عن مجاراة الإنفاق الخليجي؟

الجواب المختصر أنّ المعركة ليست واحدة. هناك سباق على القدرة الحوسبية تحسمه المليارات، وسباق آخر على المهارة والتطبيق قد تكون فيه لبيروت كلمة.

الخليج يضخّ المليارات في البنية التحتية

تقود السعودية والإمارات موجة استثمار غير مسبوقة عربياً. أطلقت الرياض شركة "هيومين" (HUMAIN) المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، وأعلنت وفق تقارير إعلامية عن خطط تتجاوز عشرات المليارات من الدولارات لمراكز البيانات، إضافة إلى نموذج لغوي عربي وطني وشراكات مع كبرى شركات التقنية الأميركية.

في أبوظبي، تبني مجموعة "جي 42" (G42) مراكز حوسبة ضخمة تعتمد على شرائح متقدمة، فيما طوّر "معهد الابتكار التكنولوجي" سلسلة نماذج "فالكون" المفتوحة، وأنتجت جامعة "محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي" نماذج "جيس" (Jais) التي تُعدّ من الأكثر إتقاناً للّغة العربية.

ويرى محلّلون، بحسب ما نقلته شبكة "سي إن بي سي"، أنّ الكتلة الحوسبية الخليجية باتت تشكّل ثالث أكبر تجمّع عالمي للذكاء الاصطناعي بعد الولايات المتحدة والصين، ومتقدّمة على الاتحاد الأوروبي في هذا المجال تحديداً.

نماذج عربية تُولد

ما يميّز هذه الموجة أنّها لا تكتفي باستيراد التقنية، بل تسعى إلى "سيادة رقمية": نماذج لغوية مدرّبة على العربية، ببياناتها وثقافتها ولهجاتها. من "علّام" السعودي إلى "فالكون" و"جيس" الإماراتيين، يتبلور رهان على ألّا تبقى العربية لغة من الدرجة الثانية في عصر النماذج التوليدية.

المسألة ليست تقنية فحسب. من يملك النموذج يملك القرار في ما يُقال وما يُحجب، وفي أيّ رواية تُقدَّم حين يسأل مستخدم عربي أداةً ذكية عن تاريخه أو حاضره. لهذا تحوّل بناء نموذج عربي قوي إلى مسألة نفوذ، لا مجرّد منتج.

أين لبنان في هذه المعادلة؟

بصراحة، لبنان خارج سباق البنية التحتية. لا رأس المال ولا الكهرباء المستقرّة ولا الاستقرار السياسي يسمح ببناء مراكز بيانات تنافس الخليج. لكنّ هذا ليس كامل الصورة.

يساهم قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات بنحو سبعة مليارات دولار في الناتج المحلي اللبناني وفق تقديرات لعام 2025، فيما جمعت الشركات الناشئة اللبنانية قرابة 250 مليون دولار خلال عام 2024، بارتفاع يقارب 50 في المئة عن العام السابق، بحسب بيانات متداولة في تقارير القطاع.

الأهمّ أنّ الكفاءة اللبنانية موجودة، لكنّها تعمل عن بُعد أو في المهجر. تشير تقديرات إلى أنّ نحو 46 في المئة من المحترفين اللبنانيين في التقنية يعملون لصالح شركات دولية من دون مغادرة أماكنهم. إنّها هجرة أدمغة، لكنّها أيضاً شبكة عالمية جاهزة إذا أحسن لبنان استثمارها.

الرهان اللبناني: العقول لا رؤوس الأموال

ورقة لبنان ليست الحوسبة بل التطبيق. مواهب متعدّدة اللغات، خبرة في المحتوى والتصميم والبرمجة، وقرب ثقافي من السوقين العربي والغربي معاً. هنا يمكن لبيروت أن تكون مختبراً للذكاء الاصطناعي التطبيقي والإبداعي في المنطقة، لا منافساً على أحجام الخوادم.

مبادرات مثل مجتمع المعرفة والابتكار في الاتصالات الذي أطلقته حاضنات محلية، وصعود مدن مثل طرابلس وزحلة كأقطاب ناشئة، تشير إلى أنّ البنية البشرية قائمة. ما ينقص هو الأساسيات: كهرباء وإنترنت موثوقان، إطار قانوني للاقتصاد الرقمي، وسياسة جادّة لربط المغتربين بالداخل.

خلاصة

الخليج يشتري المستقبل بالبنية التحتية، ولبنان قد يملكه بالعقول إذا أصلح ما تحت قدميه. المعادلة قاسية لكنّها ليست مغلقة: في اقتصاد المعرفة، الموهبة عملة، والديموغرافيا اللبنانية المنتشرة في العالم أصل لم يُستثمر بعد. في نشرة، سنتابع هذا التحوّل عن قرب، لأنّه معركة نفوذ عربي لا مجرّد نشرة أخبار تقنية.