تحلّ اليوم الذكرى السادسة لانفجار مرفأ بيروت، الكارثة التي غيّرت وجه العاصمة في لحظة واحدة مساء الرابع من آب 2020، ولا يزال السؤال الأصعب معلّقاً: من يتحمّل المسؤولية؟ لكن هذه السنة تختلف عمّا سبقها. فللمرة الأولى منذ وقوع الجريمة، بات الملف على عتبة القرار الاتهامي بعدما أقفل المحقق العدلي طارق البيطار تحقيقه وأحاله على النيابة العامة، في تحوّل إجرائي يصفه محامو الضحايا بأنه الأهم منذ 2020.

جرح لم يندمل

في الرابع من آب 2020، انفجر نحو 2750 طناً من نيترات الأمونيوم كانت مخزّنة منذ سنوات في العنبر رقم 12 بمرفأ بيروت. أحدث الانفجار موجة تدميرية اجتاحت المرفأ والأحياء المحيطة، من الجميزة ومار مخايل إلى الأشرفية والكرنتينا، وحطّم واجهات آلاف المباني على بعد كيلومترات.

أسفرت الكارثة عن أكثر من مئتي شهيد وما يزيد على ستة آلاف جريح، ودفعت نحو ثلاثمئة ألف شخص إلى النزوح من منازلهم المدمّرة. ويُعدّ الانفجار واحداً من أضخم الانفجارات غير النووية في التاريخ الحديث، بحسب ما أوردته تقارير دولية.

ستّ سنوات مرّت، ولا تزال آثار ذلك المساء ماثلة في ذاكرة اللبنانيين وفي حجارة أحياء لم تُرمّم بالكامل بعد.

مسار قضائي طويل ومعرقل

منذ الأيام الأولى، اصطدم التحقيق بجدار سياسي صلب. أُقيل المحقق العدلي الأول فادي صوان مطلع 2021، ليتسلّم طارق البيطار الملف. لكن مسيرته لم تكن أقل وعورة: سلسلة من دعاوى الرد وكفّ اليد قدّمها مسؤولون ووزراء سابقون مدّعى عليهم، وتعطّل التحقيق لفترات طويلة بفعل خلافات داخل الجسم القضائي نفسه.

طوال هذه السنوات، حالت الحصانات وذرائع الاختصاص دون مثول عدد من كبار المسؤولين أمام القاضي، ما جعل الملف رهينة التوازنات السياسية الدقيقة في البلاد. ومع كل ذكرى، كانت عائلات الضحايا تتظاهر أمام قصر العدل رافعةً صور أبنائها، مطالبةً بحقّ لم يُنصف بعد.

2026: تحوّل في الملف

في الثلاثين من آذار 2026، طوى البيطار مرحلة التحقيق حين أعلن إقفاله وإحالة الملف على النيابة العامة التمييزية، برئاسة القاضي جمال الحجار، لإبداء الرأي قبل صدور القرار الاتهامي. وبحسب مصادر قضائية نقلتها وكالات الأنباء، يشمل التحقيق نحو سبعين مدعى عليهم بين مسؤولين إداريين وأمنيين وسياسيين.

هذه الخطوة، وإن كانت إجرائية، تحمل رمزية كبيرة: فهي تنقل الملف من طور التحقيق المفتوح إلى عتبة المحاكمة أمام المجلس العدلي، الجهة القضائية المختصة بالجرائم الكبرى. يبقى القرار الاتهامي، حين يصدر، هو المحطة التي تحدّد الأسماء والمسؤوليات.

ضغط سياسي وانتظار العدالة

عشية الذكرى، دعا رئيس الجمهورية جوزيف عون القضاء إلى الإسراع في إصدار القرار الاتهامي، معتبراً أنه ليس مجرد إجراء قانوني بل حق تدين به الدولة للضحايا وعائلاتهم. وجاء موقف الرئاسة ليضيف ثقلاً سياسياً إلى مطلب طالما رفعته عائلات الضحائا ومنظمات حقوقية محلية ودولية.

لكن الطريق إلى العدالة لا يزال محفوفاً بالتحديات. فبين إبداء النيابة العامة رأيها، وإصدار القرار الاتهامي، ثم انعقاد المحاكمة، مراحل قد تطول وتتعرّض لمحاولات تعطيل جديدة. والسؤال الذي يطرحه اللبنانيون في ذكرى الكارثة يبقى: هل تكسر هذه السنة حلقة الإفلات من العقاب، أم يظلّ ملف المرفأ رهين التسويات؟

في انتظار الجواب، تبقى صور الضحايا معلّقة على أسوار المرفأ، شاهدةً على وعدٍ بالعدالة لم يكتمل بعد.