في الحادي والثلاثين من كانون الأول المقبل، تُطوى صفحة حضورٍ أمميٍّ رافق جنوب لبنان منذ عام 1978. فقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، اليونيفيل، تقترب من نهاية تفويضها، لا بقرارٍ طارئ بل بموعدٍ حُدِّد قبل أكثر من عام. والسؤال الذي يشغل أهل الجنوب اليوم ليس متى ترحل القبّعات الزرق، بل مَن يملأ الفراغ بعدها: مَن يقف بين القرى الحدودية وآلة الحرب، ومَن يوثّق ما يجري على أرضٍ لا يزال الاحتلال يقضمها والغارات تطالها. ثلاثة سيناريوهات مطروحة، لكنّ أغلبها يصطدم بجدارٍ سياسيٍّ واحد.
قرارٌ اتُّخِذ قبل عام
لم يأتِ قرب نهاية اليونيفيل مفاجئاً. ففي الثامن والعشرين من آب 2025، أقرّ مجلس الأمن الدولي القرار 2790 الذي نصّ على تمديدٍ أخير وحيد لتفويض القوة حتى نهاية كانون الأول 2026، على أن يبدأ سحب عناصرها تدريجياً طوال عام 2027. جاء ذلك تحت ضغطٍ أميركيّ صريح، وبتبنٍّ للمطالب الإسرائيلية التي اتّهمت القوة الدولية بالعجز عن كبح التسلّح في الجنوب.
بذلك، لم يعد النقاش حول مبدأ التمديد، بل حول ما سيلي الانسحاب. وهنا تبدأ المعادلة الصعبة.
السيناريو الأول: التمديد المستحيل
الخيار الأبسط نظرياً هو العودة عن القرار وتمديد التفويض. وهو ما تطالب به بيروت فعلاً: فقد طلبت الدولة اللبنانية تمديد ولاية القوة، ووجّه نحو 86 نائباً مذكّرةً إلى رئيس الحكومة نواف سلام لمنع أيّ فراغٍ أمميّ في الجنوب، فيما حذّر رئيس الجمهورية جوزيف عون من "فراغٍ أمنيٍّ خطير" إذا انسحبت اليونيفيل قبل اكتمال الانسحاب الإسرائيلي.
لكنّ هذا الخيار يصطدم بالجدار نفسه الذي أنهى التفويض: الموقف الأميركي الرافض لأيّ تمديد. وما دامت واشنطن ماسكةً بهذا الخطّ، يبقى التمديد أقرب إلى المستحيل السياسي منه إلى الاحتمال الواقعي.
السيناريو الثاني: بديلٌ منقوص
في غياب التمديد، يُطرح البحث عن حضورٍ بديل. وهنا يبرز الدور الأوروبي: فقد أقرّ مجلس الاتحاد الأوروبي مطلع هذا الأسبوع بعثة دعمٍ جديدة للبنان مدّتها ثلاث سنوات، تجمع بين شقٍّ عسكريّ (تدريب الجيش اللبناني ومراقبة الحدود) وآخر مدنيّ (أمن المرافئ ومكافحة التهريب). غير أنّ هذه البعثة ليست بديلاً عن اليونيفيل ولا قوة حفظ سلام؛ إنّها مهمّة تدريبٍ ومساندة، لا انتشارٌ ميدانيّ بين الناس والحدود.
وفي موازاة ذلك، تتحرّك الأمم المتحدة نفسها: فقد التقى وكيل الأمين العام لعمليات حفظ السلام جان بيار لاكروا رئيس الحكومة في السرايا، محذّراً من أنّ أسئلةً كبرى تظلّ معلّقة فوق جنوب لبنان مع اقتراب خروج القوة. أمّا سلام، فأعلن رفضه أيّ فراغ، وانفتاحه على صيغةٍ دوليةٍ جديدة. لكنّ أيّاً من هذه المسارات لم ينضج بعد إلى بديلٍ متكامل، ما يُبقي الجنوب في منطقةٍ رمادية.
السيناريو الثالث: الفراغ
يبقى السيناريو الأخطر: أن ترحل اليونيفيل من دون بديلٍ فعليّ، فينفتح الجنوب على فراغٍ أمنيّ في أسوأ توقيتٍ ممكن. فالاحتلال الإسرائيلي لم يكمل انسحابه من النقاط التي يتمسّك بها، والغارات والقصف المدفعي لم تتوقّف على القرى الحدودية، بينما يُطلق وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تهديداتٍ بضمّ مناطق وتدمير أخرى.
وما يزيد القلق أنّ المفوضية السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة حذّرت من تدميرٍ ممنهج للمنازل والبنى الصحية والأراضي الزراعية في الجنوب المحتلّ، في ما قد يرقى إلى انتهاكاتٍ للقانون الدولي الإنساني. فحين يغيب الشاهد الدوليّ الميدانيّ، مَن يوثّق هذا التدمير، ومَن يردعه؟
الجنوب في قلب المعادلة
خلف لغة القرارات والتفويضات، ثمّة ناسٌ من لحمٍ ودم. فالجنوب ليس ملفّاً دبلوماسياً يُدار من نيويورك، بل قرى دفنت شهداءها وخسرت مواسمها، وتعيش اليوم على وقع احتمال أن يُسحب منها حتى الشاهد الأمميّ الذي كان، على عِلّاته، حاضراً على الأرض. هؤلاء هم الطرف الغائب عن طاولات التفاوض، والحاضر الوحيد تحت القصف.
إنّ نقاش ما بعد اليونيفيل، إن قُرئ من بيروت أو من العواصم الكبرى، يبدو مسألة توازناتٍ وصيغ. أمّا إذا قُرئ من المنصوري وبنت جبيل وكفركلا، فهو سؤال وجوديّ بسيط: مَن يبقى إلى جانب مَن لا سند لهم.
خلاصة
القرار اتُّخِذ، والموعد يقترب، والبدائل لم تنضج. بين تمديدٍ يرفضه الجدار الأميركي، وبديلٍ أوروبيّ منقوص، وفراغٍ يهدّد بالأسوأ، يبقى جنوب لبنان في قلب المعادلة ومن دون ضماناتٍ حقيقية. وما لم يتبلور بديلٌ جدّيّ قبل نهاية العام، فإنّ السؤال الذي طرحه لاكروا سيظلّ معلّقاً: ماذا بعد اليونيفيل؟ والأرجح أنّ مَن سيدفع ثمن غياب الجواب هم أهل الحدود، كالعادة.





