في يومٍ واحد، تحوّل موسم الزيتون في قضاء بنت جبيل إلى مأتم. يوم الأحد في الحادي عشر من تشرين الأول/أكتوبر 2026، سقط شهيدان جنوبيان لا على خطّ تماس، بل في كرمَيهما، وهما يفعلان ما يفعله أهل الجنوب كلّ خريف: قطاف الزيتون. الموسم الذي يختصر علاقة الجنوبيّ بأرضه صار موسماً محفوفاً بالموت.

شهيدان في يومٍ واحد

في بلدة ياطر، أعلنت البلدية والوكالة الوطنية للإعلام استشهاد المؤهل الأول المتقاعد في الجيش اللبناني علي عبد الحسن سويدان، إثر قصفٍ مدفعيٍّ إسرائيلي استهدف أطراف البلدة بينما كان يتفقّد أرضه وموسم الزيتون فيها.

وفي بلدة فرون من القضاء نفسه، أعلنت الوكالة الوطنية للإعلام استشهاد مهندسٍ وإصابة مواطنٍ آخر، إثر انفجار جسمٍ من مخلفات الحرب الإسرائيلية في منطقة وادي الخنازير أثناء قطافهما الزيتون. حادثتان مختلفتان في السبب، واحدة بالقصف المباشر والأخرى بالذخائر المتروكة في الأرض، لكنّهما تلتقيان عند النتيجة ذاتها: دمٌ جنوبيٌّ تحت شجر الزيتون.

الزيتونة التي تختصر الجنوب

ليس الزيتون في الجنوب مجرّد محصولٍ موسمي. هو ركيزة اقتصادٍ عائليٍّ هشّ، وطقسٌ سنويٌّ يجمع الأجيال في الحقول، وعنوانُ تمسّكٍ بالأرض في منطقةٍ لم يعرف أهلها الاستقرار الطويل. حين يحين تشرين، تنزل العائلات إلى الكروم، وكثيرٌ منها قريبٌ من البلدات الحدودية التي ما زالت في مرمى النار.

خطران يلاحقان القطاف

يواجه الموسم اليوم خطرين متلازمين. الأول هو القصف الإسرائيلي المتواصل على أطراف البلدات الجنوبية رغم وقف إطلاق النار المعلن في حزيران/يونيو، وهو ما أودى بحياة شهيد ياطر. والثاني هو مخلفات الحرب غير المنفجرة التي تحوّلت إلى ألغامٍ صامتةٍ في الأراضي الزراعية، تنتظر قدمَ فلّاحٍ أو يدَ قاطفٍ، وهو ما أودى بحياة شهيد فرون. الأرض التي ينبغي أن تُطعم صارت فخّاً.

أرضٌ لا تُترك

رغم هذا كله، لا يتوقف الأهالي عن النزول إلى كرومهم. في موسمٍ سابق هذا الخريف، نقلت وكالات أنباء شهاداتٍ من بلدات جنوبية عن مزارعين يقطفون زيتونهم تحت أنظار الدبابات، وعن حقولٍ اقتُلعت أشجارها أو بات الوصول إليها يحتاج إلى تنسيق. ومع ذلك، يبقى القرار واحداً: الأرض لا تُترك. في هذا الإصرار الصامت يكمن معنى الجنوب الذي قلّما يُروى، معنى ناسٍ يرفضون أن تُنتزع منهم أرضهم حتى حين يصير قطافُها خطراً على الحياة.

خلاصة

كان ينبغي لموسم الزيتون أن يُحسب بالصفائح والمواسم. في الجنوب هذا العام، يُحسب أيضاً بالشهداء. وكلّ موسمٍ يمرّ تحت النار يقيس المسافة بين وقف إطلاق نارٍ على الورق وأرضٍ ما زالت تُعامَل كهدف. يبقى السؤال معلّقاً: من يحمي الفلّاح الجنوبيّ وهو يجني رزقه من شجرةٍ غرسها أجداده؟