لم يكن استقبال الرئيس اللبناني جوزاف عون في أنقرة زيارة بروتوكولية عابرة. فمن على منصة واحدة مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان، الخميس، وُضع على الطاولة سؤال يتجاوز العلاقات الثنائية: من يملأ الفراغ الأمني في جنوب لبنان بعد رحيل قوة الأمم المتحدة المؤقتة (اليونيفيل) مع نهاية العام؟ الجواب الذي قدّمه أردوغان كان واضحاً في نيّته، ثقيلاً في تبعاته: تركيا تريد أن تكون في قلب أي ترتيب أمني جديد.
عرض أنقرة على الطاولة
قال أردوغان، في تصريح مشترك نقلته وكالة أسوشيتد برس، إن تركيا مهتمة بالمشاركة في مبادرة أمنية جديدة للبنان بعد انتهاء ولاية القوة الأممية المؤلفة من نحو 7500 عنصر. وأضاف: "بعد انسحاب القوة الدولية الحالية، تريد تركيا أن تكون جزءاً من كل المبادرات التي ستُطلق لدعم الأمن في المنطقة وضمان سيادة لبنان". واعتبر أن انتهاء ولاية اليونيفيل "سيشكّل تطوراً مهماً".
السياق التقني للعرض معروف: مجلس الأمن الدولي صوّت العام الماضي بالإجماع على إنهاء مهمة اليونيفيل، استجابةً لضغوط إسرائيلية وأميركية. تل أبيب تقول إن المهمة، الممتدة على 48 عاماً، لم تؤدِّ دورها ولم تمنع تعاظم قدرات حزب الله المدعوم من إيران. وبذلك يفتح نهاية العام فراغاً يتنافس أكثر من طرف على ملئه.
عون: مرحلة جديدة في العلاقة
من جهته، قال عون إنه يريد لعلاقات بلاده مع تركيا أن تصبح "أكثر حضوراً وأكثر طموحاً" في "لحظة مفصلية نعيد فيها ترميم منطقتنا ورسم مستقبلها". وأضاف: "أنا واثق من أن هذه الزيارة ستكون بداية مرحلة جديدة في العلاقات اللبنانية التركية، عنوانها الشراكة والثقة والعمل المشترك".
لغة الرئيس اللبناني تعكس حسابات دقيقة. فبيروت، المنهكة مالياً، تبحث عن شركاء يدعمون جيشها ويعيدون تأهيل اقتصادها بعد الحرب، من دون أن تنزلق إلى محاور تُشعل خلافاتها الداخلية. وقد تعهّد أردوغان صراحةً بمواصلة دعم الجيش اللبناني في المجال الأمني، وبمساندة التعافي الاقتصادي بعد الحرب.
عقدة إسرائيل
هنا يكمن العائق الأكبر. دخول تركيا إلى أي قوة تخلف اليونيفيل سيصطدم على الأرجح باعتراض إسرائيلي، على خلفية التوتر الحاد بين أنقرة وتل أبيب في السنوات الأخيرة. وسبق لإسرائيل أن نجحت في منع مشاركة تركيا في قوة الاستقرار الدولية الخاصة بغزة، لكن الحال في لبنان قد تكون أكثر تعقيداً، إذ لا تسيطر تل أبيب على كامل الأرض هناك.
وتركيا ليست الوحيدة على الخط. فرنسا وإيطاليا أبدتا بدورهما اهتماماً بالمساهمة في قوة تخلف اليونيفيل، من دون أن يتضح بعد شكل هذه القوة، ولا ما إذا كانت ستعمل تحت مظلة أممية أم بترتيب آخر. الغموض حول المرجعية هو بالضبط ما يجعل عرض أنقرة ورقة تفاوض مبكرة أكثر منه قراراً نافذاً.
خلفية هشّة: هدنة لا سلام
تأتي زيارة عون فيما لا يزال لبنان في وضع دقيق رغم هدنة هشّة أوقفت إلى حدّ كبير القتال بين إسرائيل وحزب الله. وكان الحزب قد جرّ لبنان إلى الصراع الإقليمي الأوسع مع إيران في الثاني من آذار/مارس بإطلاقه صواريخ باتجاه إسرائيل، في مشهد أعاد البلاد إلى دائرة النار. ثم أفضت محادثات هدنة برعاية أميركية إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق في الجنوب لتحلّ مكانها قوى الدولة اللبنانية.
على هذه الخلفية، يُقرأ عرض أردوغان: ليس مجرد مساهمة في حفظ الأمن، بل محاولة لتثبيت موطئ قدم تركي في ملف يتقاطع فيه النفوذ الإيراني والإسرائيلي والأميركي. أردوغان، صاحب النفوذ القوي في دمشق، دعا أيضاً إلى تعزيز الحوار بين لبنان وسوريا، معتبراً أنه "مفيد للبلدين".
ورقة سوريا الحسّاسة
الإشارة إلى سوريا ليست بريئة. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب اقترح مراراً أن تدخل القوات السورية إلى لبنان لمواجهة حزب الله، وهو طرح أثار قلقاً واسعاً في بيروت. غير أن الرئيس السوري أحمد الشرع أكد في أكثر من مناسبة أنه لا يرغب في أي تدخل عسكري في البلد المجاور.
بين عرض تركي طموح، واعتراض إسرائيلي متوقع، وحسابات فرنسية وإيطالية، ومقترحات أميركية تلامس الخط الأحمر السوري، يجد لبنان نفسه مرة أخرى ساحة تُرسم فوقها توازنات الآخرين. السؤال الذي يبقى مفتوحاً: هل تنجح بيروت في تحويل هذا التزاحم إلى دعم لسيادتها وجيشها، أم تتحول الأشهر المقبلة إلى معركة نفوذ جديدة على أرضها؟





